العادم الأخير: كيف تحولت سوريا إلى مكب نفايات للسيارات المستهلكة؟ 

في أقل من أسبوع، سُجّل أكثر من 300 ألف طلب لاستيراد سيارات مستعملة عبر منصة حكومية واحدة، مباشرة بعد قرار وقف الاستيراد الذي صدر في تشرين الأول/أكتوبر 2025 عن وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية السورية.
تبدو هذه السيارات في الظاهر كأي وسيلة نقل أخرى، لكنها في الحقيقة تحمل على محركاتها تاريخاً طويلاً من الاستهلاك، وعبء انبعاثات تجاوز الحدود الجغرافية والقوانين البيئية.
إنها ليست مجرد أرقام، بل شحنات ضخمة من السيارات المتهالكة بسبب الغرق أو انتهاء عمرها الفني، فُرضت على السوق السوري كمنتج نهائي لعوادم السيارات العالمية، في ظل غياب أي فحص بيئي، أو معايير فنية تضمن سلامة الهواء.

تدفقت إلى سوريا خلال السنوات الماضية، موجة هائلة من السيارات المستعملة والمتهالكة، حتى صارت تملأ الشوارع والهواء معاً، وما بين مركبات مستوردة بأثمان زهيدة، ومازوت محلي شديد التلوث، وشوارع مكتظة دون رقابة، تتنفس المدن السورية هواءً لم يعد مرئياً من كثافة الدخان.

فهل باتت سوريا فعلياً مكباً عالمياً للسيارات المستعملة التي تُرفض في أوروبا والخليج؟

القصة كاملة

على الطريق الواصل بين حلب وإدلب، وفيما كان فريق التحقيق في طريقه لإجراء مقابلة مع السائق “أبو وسام”، انبعث دخان كثيف من مركبة متقدمة، نفذ إلى الصدر بثقلٍ خانق.

تصوير: حنين السيد

 أبو وسام رجل أربعيني يعمل على نقل الطلبات بسيارته الخاصة، وفي حين ينتظر زبوناً جديداً قال: “ما عندي خيار غير استخدام سيارة مستعملة” فبالنسبة له، السيارات المستعملة رغم انبعاثاتها الملوِّثة هي الخيار الوحيد الممكن بعد أن باع قطعة من أرضه ليشتري سيارته بـ 4500 دولار أمريكي وهي كورية الصنع موديل 2004. يشرح السبب: “الأسعار المنخفضة، توافر القطع، وسهولة الصيانة”.

ورغم أن محرك سيارته يطلق في كل تشغيل سحباً كثيفة من الدخان الأسود، يلتف بعضها حول رأسه ويغطي جزءاً من السماء فوقه، إلا أن ذلك لا يدفعه للتوقف. يبتسم، يدير المفتاح من جديد، ثم يقول: “هي مصدر رزقي بلاها ما بقدر أطعمي ولادي، وما عندي فضول دقّق على الانبعاثات”

ومثل كثيرين في سوريا، لم يعد أبو وسام يملك رفاهية التفكير بالبدائل، فالانخفاض الحاد في القدرة الشرائية جعل من السيارات المستعملة خياراً شبه وحيد أمام المواطنين، لكن هذا “الحل الاقتصادي” يخفي في داخله أزمة بيئية صامتة: أسطول من المركبات المتهالكة يعمل يومياً على ضخ كميات كبيرة من الملوثات في الجو، في ظل غياب السياسات البيئية الفاعلة، وضعف الوعي العام بخطورة الانبعاثات.

هكذا تتحول الحاجة الاقتصادية إلى عبء بيئي مستمر، تتوسع حدوده مع كل سيارة قديمة تنطلق على الطريق، ومع كل مواطن يجد نفسه مجبراً على المفاضلة بين لقمة العيش والهواء النظيف.

في زاوية أخرى من الحكاية، تقف أم فواز، مهجرة من بلدة كفرنبودة بريف حماة، سكنت لسنوات في سرمدا القريبة من معبر باب الهوى، حيث تُدخل السيارات يومياً إلى السوق السورية.

تقول:”أول ما سكنت بسرمدا بدأت عندي نوبات الربو والبخاخ لا يفارقني، ما بعرف السبب حتى لاحظت إن الدخان بكل مكان”. في 2025، عادت إلى كفرنبودة المدمّرة جزئياً، لكنها أكثر هدوءاً وأقل ازدحاماً. تقول:”خلال شهرين، بطلت استخدم البخاخ. صار فيي أتنفس… رغم الخراب، بس فيها نفس”.

في الأحياء القريبة من الشوارع المزدحمة، غالباً ما يشكو السكان من السعال المزمن، ضيق التنفس، والتهابات في الجهاز التنفسي.
رغم غياب دراسات صحية محلية موثوقة تربط بشكل مباشر بين الأعراض التنفسية الشائعة في شمال سوريا والانبعاثات الصادرة عن السيارات المستعملة، إلا أن الدراسات العلمية العالمية تُظهر علاقة واضحة بين التعرّض المستمر للجسيمات الدقيقة المنبعثة من عوادم المركبات وارتفاع معدلات الإصابة بالربو، والسرطان، وأمراض القلب، إضافة إلى أمراض الرئة المزمنة.

وفي هذا السياق، تشير ورقة بحثية حديثة نُشرت على منصة arXiv إلى مفهوم يُعرف بـ “تصدير الانبعاثات” عبر تجارة السيارات المستعملة، توضح الورقة أن الدول المستوردة لهذه المركبات تتحمّل العبء البيئي الأكبر، إذ تستقبل سيارات أقل كفاءة في استهلاك الوقود وأكثر إصداراً للملوّثات مقارنة بما لو بقيت تلك السيارات في دولها الأصلية.

كيف تدخل السيارات؟ ومن أين تأتي؟

بدأت الموجة الكبرى لاستيراد السيارات المستعملة بعد عام 2017، حين خفت القيود الجمركية لأسباب تتعلق بتعدد الحكومات ومناطق السيطرة؛ ففتح الباب أمام ما وصفه أحد التجار ممن قابلهم فريق التحقيق بالهامش الكبير للبيع والشراء في هذه التجارة، وخاصة من معابر شمال غرب سوريا. 
مع تراجع القدرة الشرائية للمواطنين وارتفاع أسعار السيارات الجديدة، أصبحت السيارة المستعملة خياراً وحيداً للكثيرين، في حين تحولت البلاد تدريجياً إلى وجهة مفضلة لتجار السيارات المرفوضة في الخارج.

تشير البيانات الرسمية وتصريحات الجمارك -بحسب الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية -إلى تسجيل أكثر من 212 ألف سيارة مستعملة خلال فترة السماح بالاستيراد؛ أي قبل أن تصدر الحكومة قرارها رقم 462 في 29 حزيران/يونيو 2025، الذي أوقف استيرادها بشكل كامل “بسبب تشبّع السوق المحلي”، مع استثناءات محدودة للشاحنات والآليات الزراعية والإنشائية.
لكن هذا القرار جاء متأخراً؛ إذ كانت البلاد قد غُمرت بالفعل بما يفوق قدرتها على الاستيعاب، ورغم ذلك لا تزال السيارات تدخل الى سوريا رغم مضي قرابة ستة أشهر على القرار بحجة أن بعض التجار اشتروا شحناتهم ويجب أن يجلبونها.

وبحسب الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية، دخلت 1800 سيارة بعد سقوط النظام عبر  باخرة  قادمة الى مرفأ طرطوس من كوريا الجنوبية في ثاني عملية من نوعها بتاريخ 18 أيار/مايو 2025، في حين دخلت باخرة ثانية على متنها 3181 سيارة عبر شركة دولفين للنقل البحري بعد أن استأنفت الشركة نشاطها، بعد سقوط النظام بعد انقطاع دام لأكثر من عشر سنوات.

 وبحسب الخطة المعلن عنها عبر صفحة الهيئة العامة على تلغرام، باشرت الشركة بتسيير ثلاث رحلات أسبوعية منتظمة بين ميناء مرسين التركي ومرفأ طرطوس.
وبحسب تقارير إعلامية واقتصادية، نحو 80% من السيارات المستوردة إلى سوريا كانت مستعملة، فيما يُقدَّر خمسة تجار من من قابلناهم شمال غربي سوريا والساحل أن عدد السيارات التي دخلت المنطقة بعد سقوط النظام يتراوح بين 100 ألف و150 ألف سيارة ، مع بيع نحو 250–300 مركبة يومياً أغلبها مستوردة من كوريا والإمارات والولايات المتحدة، ولا تتجاوز حصة الجديد منها 1%.

وفي تصريح سابق لحكومة الإنقاذ قبل سقوط نظام الأسد أثناء حكمها لمنطقة إدلب فقط  قالت إن عدد السيارات المستوردة ما بين عامي 2022 و2024 يتجاوز 106500 سيارة، في حين لم نستطع الحصول على أي تصريحات بعد سقوط النظام باستثناء ما تم معرفته من خلال مسؤول في معبر باب الهوى قال إنه وبعد صدور قرار عدم استيراد السيارات القديمة خلال شهر تشرين الأول/أكتوبر 2025، قام التجار بالتسجيل على 300 ألف سيارة من خلال المنصة المعتمدة في التسجيل قبل تفعيل القرار في ظرف أسبوع فقط.

الطرق التي سلكتها هذه السيارات لدخول سوريا كانت متشعبة، بعضها عبر المعابر التركية، وبعضها عبر المنطقة الحرة الأردنية، وأخرى عبر ميناء طرطوس، في تقرير نشره The Jordan Times في مطلع عام 2025، أُشير إلى أن 3.664 سيارة صدّرت من المنطقة الحرة نحو سوريا منذ مطلع العام بعد سقوط نظام الأسد.

إلى جانب ذلك، تعيد بيانات رسمية حديثة من الجمارك الأردنية الإشارة إلى أن آلاف المركبات أعيد تصديرها (ترانزيت) إلى سوريا منذ استئناف المعابر، ما يعكس تصاعداً في وتيرة تدفق السيارات. 

وعلى الرغم من أن قواعد بيانات مثل UN Comtrade وWITS  تؤكد أن سوريا كانت في السنوات الأخيرة من بين الدول النامية الأكثر استيراداً للسيارات المستعملة في الشرق الأوسط، فإنها تُظهر أيضاً أن غالبية هذه السيارات تأتي من تركيا، والأردن، ولبنان والإمارات، وهو ما يجعل تلك الدول أهم ممرّات دخول “السيارات الأوروبية /المستعملة” إلى السوق السورية.

تكشف هذه المعطيات أن القرار 462 لعام 2025 لم يكن سوى استجابة متأخرة لواقع بيئي واقتصادي متدهور، فخلال أقل من عقد تحوّلت سوريا إلى سوق نهائي للسيارات المستهلكة عالمياً.
من أوروبا إلى المنطقة الحرة في الأردن أو الموانئ التركية، ومن هناك إلى أسواق سوريا. وفي حين تتحدث الحكومة الجديدة عن “تشبّع السوق”، تظل الحقيقة الأعمق أن السيارات المستعملة تعمل في الشوارع بلا رقابة ما يعني أن وقف الاستيراد لن يوقف التلوث فوراً، بل سيترك أثراً طويل الأمد في الهواء الذي يتنفسه السوريون.

تصوير: حنين السيد

مرافئ تستقبل “ما تخلّص منه العالم”

يراقب المخلّص الجمركي محمد مصطفى قاسمو حركة دخول السيارات المستعملة في مرفأ اللاذقية، ويصفها بأنها “أكبر موجة تدفّق شهدتها البلاد منذ سنوات”، لكنها برأيه اقترنت بانخفاض كبير في الجاهزية الفنية للمركبات القادمة. فبحسب قاسمو، تحولت سوريا إلى منفذ تصريف واسع للسيارات الواردة من كوريا الجنوبية ودول الخليج، معظمها منسّق في بلدانها الأصلية، أي مصنّفة بأنها “خارجة من الخدمة”، لكنها تجد طريقها إلى السوق المحلي بسبب غياب الضوابط البيئية والفنية.

ويشير قاسمو إلى أن تأثير هذه المركبات يتجاوز الجانب الفني ليطال البنية التحتية نفسها؛ فالشوارع السورية أصبحت مكتظّة بسيارات يتجاوز عمرها 15 عاماً، ذات تقييم بيئي متدنٍّ، تنطلق انبعاثاتها من ثاني أكسيد الكربون بشكل كبير، في الوقت الذي تعمد فيه الدول المصدِّرة إلى التخلص منها حمايةً لبيئتها الداخلية.
ويقترح المخلّص اعتماد اختبار فني إلزامي في بلد المنشأ قبل استيراد أي مركبة، مستفيدين من وجود مراكز فحص متطورة في تلك الدول. ويذكّر بأن الحكومة السورية كانت قد خفّضت الرسوم الجمركية على استيراد السيارات المستعملة بنسبة 80%، قبل أن تعود وتمنع دخولها أخيراً، وتسمح فقط بالسيارات الجديدة دون ثلاث سنوات من تاريخ الصنع؛ وهو قرار يرى قاسمو أنه قد يسهم تدريجياً في رفع مستوى السلامة الفنية والكفاءة داخل السوق.


سوق السيارات في سوريا: موديلات قديمة

قبل الغوص في تعقيدات الأعطال والانبعاثات، تكشف مقابلات التجار والخبراء في شمالي غرب سوريا والساحل عن صورة واضحة لما يجري في سوق السيارات المستعملة؛ فالموديلات الأكثر انتشاراً هي تلك التي تتراوح بين عامي 2007 و2015، وهي الفئة التي تشكل العمود الفقري لمعظم عمليات البيع اليومية؛ لأنها الأرخص ثمناً والأكثر توافراً في السوق. 

تصوير: حنين السيد

أما السيارات الجديدة، فلا تتجاوز نسبتها 4% من إجمالي المركبات في شمالي إدلب، حسب أحد التجار، ما يجعلها استثناءً نادراً في شوارع تغمرها السيارات المستهلكة.

ووفق التجار الذين تحدثنا إليهم، فإن الشريحة الأكثر طلباً هي السيارات التي لا يتجاوز سعرها 10 آلاف دولار، وغالبيتها من موديلات 2010 وما دون، وهي ما يفضله الزبائن بسبب انخفاض التكلفة وسهولة إصلاحها.

ومع غياب الرقابة البيئية والفنية في نقاط الدخول حسب التجار الخمسة، تصبح هذه المركبات جزءاً من السوق دون فحص فعلي.

وبحسب عبد اللطيف أبو أمجد مسؤول ورشة تصليح سيارات، يعمل في المهنة منذ 13 عاماً، يمكن تصنيف السيارات الواردة إليهم إلى ثلاث فئات رئيسية؛ وهي ما دون عام 2008، وتكون محركاتها مرهقة، وانبعاثاتها كثيفة. والسيارة المصنعة ما بين عامي 2008 و2018، ويكون أدائها أفضل نسبياً، وأكثر تطوراً تكنولوجياً، والسيارات المصنعة ما بعد 2018، وهي سيارات حديثة، لكنها تتأثر سلبياً بنوعية الوقود المتوفر محلياً.

هذه المعطيات ترسم مشهداً واضحاً: سوق تغمرها السيارات القديمة والمستوردة، يعتمد جمهورها على الأسعار المتدنية أكثر من أي اعتبار آخر، وتستمر في النمو رغم القرارات والقيود، مدفوعة بحاجات اقتصادية ملحّة وبنية رقابية ضعيفة.

جهاز البيئة… قصة انهيار آخر خط دفاع في الهواء

لم تعد مشكلة السيارات المستعملة في سوريا تقتصر على عمر المركبات أو مصدرها، بل باتت تتجسد في القطعة التي تُزال عمداً قبل غيرها: جهاز البيئة، وهو النظام المسؤول عن خفض الانبعاثات السامّة. فمن ورشات التصليح إلى محطات الوقود، وحتى المرافئ الجمركية، تتكرر الرواية نفسها: “الجهاز يُفكّ… لأنه لم يعد مفيداً، بل يسبب أعطالاً”.

دخلت البلاد مركبات خرجت في الأصل من الخدمة الدولية لأنها لم تعد مطابقة لمعايير “يورو 5″ و”يورو 6”. ومع غياب فحص الانبعاثات عند الحدود، أصبحت سوريا، كما وصفتها تقارير Independnet Arabia وحرمون “سوقاً مفتوحة لسيارات الديزل الأوروبية المستهلكة”.

وبينما يذكر تقرير المساهمات الوطنية السورية المقدم وفق اتفاقية باريسUNFCCC–NDC 2022، أن قطاع النقل مسؤول عن 24% من الانبعاثات السورية، فإن هذا الرقم لم يأخذ في الاعتبار الانفجار الأخير في أعداد السيارات، ولا إزالة جهاز البيئة بشكل شبه جماعي.

يقول المصلّح عبد اللطيف أبو أمجد بحسب تجربته، إن 25%من السيارات تصل دون جهاز بيئي أساساً، و25% أخرى أزال أصحابها الجهاز عمداً. وتبلغ تكاليف التنظيف 35 دولاراً، والتنظيف السريع ثمانية دولارات، والإلغاء الكامل للجهاز يبلغ ما بين 100 و300 دولار، ما جعل كثيرون يرون في الجهاز عبئاً لا حماية.

ويؤكد أبو أمجد أن السبب الأكبر هو الوقود، قائلاً: “المازوت البانياسي فيه رصاص أكثر بـ90% من التركي… هذا بيخرب الحساسات والمحول الحفّازي، وما بيخلي السيارة تشتغل طبيعي”

لا يوجد للرصاص -وفق منظمة الصحة العالمية- نسبة آمنة، وإنما وجوده يعني عملياً احتراقاً ساماً ينتشر في الهواء والتربة والمياه.

التعطيل البرمجي: أجهزة البيئة تُلغى من الكمبيوتر أولاً

محمد قوبان أحد أصحاب شركات تصليح السيارات في إدلب، والمتخصص بتعطيل أنظمة البيئة برمجياً عبر الكمبيوتر، يقول إن إزالة الجهاز تبدأ من الحاسب قبل أن تُفكّ القطعة نفسها، لأن بقاء النظام فعالاً مع هذا الوقود يضرّ بالمحرك. ويؤكد أن: “عدد السيارات اللي ألغينا جهازها البيئي منذ 2022 لليوم غير قابل للإحصاء… العدد ضخم جداً، وماشي بالزيادة”.

هذه الشهادة تتقاطع مع ما قاله محمد زيدان عامل ضمن مكتب بيع سيارات في سرمدا، “أغلب الزبائن يسألون عن جهة لفكّ جهاز البيئة بعد الشراء لأن المازوت البانياسي غير مناسب، ويسبب أعطال لا تنتهي”.

بينما  يشرح صاحب محطة العبدولي في اعزاز شمالي حلب أن المازوت الذي يصل اليوم يأتي من مصفاة بانياس ومصافي ترحين البدائية، مؤكداً أن الفرق بينه وبين المازوت التركي كبير فالمازوت التركي شفاف أبيض، بكثافة 815–825 كغ/م³ ضمن مواصفات EN590 الأوروبية، في حين المازوت البانياسي شفاف أصفر، بكثافة 845 كغ/م³، وهو أعلى من الحد المسموح أوروبياً، ما يشير إلى شوائب ثقيلة أو زيوت مستعملة، هذه الكثافة تجعل الاحتراق غير كامل، وتزيد من السخام والغازات السامة وتسد الفلاتر وتخرّب أجهزة البيئة.

على الجانب الآخر، يقول مدير مصفاة بانياس إبراهيم مسلم إن الوقود مطابق للمواصفات الوطنية، بنسبة كبريت 0.35%. لكنه يشير بأنه “غير مناسب للسيارات الحديثة الصغيرة العاملة على المازوت”، وهو ما يفسّر اضطرار كثيرين لفكّ جهاز البيئة، أما عن الرصاص فيؤكد “لا يوجد رصاص زائد… والتكرير جيّد”.

ماذا يقول الناس؟ 

وحول الموضوع أجرينا استبياناً شمل أكثر من 40 مشاركاً من إدلب، وريف حلب، والساحل السوري، بينهم سائقون، وتجار سيارات، ومواطنون عاديون. كشفت البيانات عن مشهد معقّد من الدوافع الاقتصادية، وغياب الوعي، وتقصير الجهات التنظيمية في مواجهة سيل من السيارات القديمة التي تغزو الشوارع وتزيد شكاوى السكان من الانبعاثات الثقيلة.

الغالبية الساحقة من المشاركين يمتلكون سيارات مستعملة أو يعتمدون عليها كوسيلة أساسية للتنقل، وهو ما يعكس غياب البدائل الاقتصادية، خاصة مع انهيار القدرة الشرائية. ورغم هذا الاعتماد الكبير على المركبات، يؤكد معظم المشاركين أنهم لا يرون اهتماماً حقيقياً لدى المجتمع بقضية التلوث البيئي؛ إذ جاءت الإجابات بين”لا” و”جزئياً”، باستثناء قلة أشارت إلى وجود وعي محدود.

أما بشأن ما يجب فعله، فقد تعددت الاقتراحات لكنّها التقت عند هدف واحد: ضرورة فرض رقابة حقيقية على السيارات قبل دخولها؛ فبين من طالب بإلزام السيارات المستوردة بفحص بيئي، ومن دعا إلى فحص دوري كل شهرين، ومن اقترح فرض مخالفات مالية على السيارات التي تبعث دخاناً أسود، بدا واضحاً أن الناس يربطون المشكلة مباشرة بنوعية المركبات المتهالكة وانعدام الضبط. كما ظهرت مطالبات بوضع ضوابط على الاستيراد وتقليل دخول السيارات المستعملة، ليس فقط لأسباب بيئية، بل أيضاً للحد من الحوادث الناتجة عن سوء جاهزية المركبات.

هذه الإجابات، وإن بدت بسيطة، ترسم صورة دقيقة: سكان الشمال يعيشون داخل بيئة مكتظة بالسيارات القديمة، يشعرون بتأثير التلوث يومياً، ويدركون أن الحل يبدأ من فحص السيارة قبل أن تدخل البلد لكنهم لا يجدون من يطبّق ذلك فعلياً.

مواجهة رسمية: أسئلة بلا إجابة

في إطار العمل على هذا التحقيق، تواصل فريق التحقيق مع وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية السورية، ووجّه إليها مجموعة من الأسئلة المكتوبة تتعلق بآليات استيراد السيارات المستعملة، ومعايير الفحص البيئي المعتمدة، ومدى الالتزام بتطبيق قرارات تقييد دخول السيارات القديمة، إضافة إلى الإجراءات المتخذة للحد من تعطيل أجهزة البيئة وتأثيرات ذلك على الصحة العامة.

وحتى موعد إعداد هذا التحقيق للنشر، لم نتلقَّ أي رد رسمي من الوزارة على الأسئلة الموجّهة، رغم إتاحة مهلة زمنية كافية للرد. وسيتم نشر أي توضيح رسمي يرد لاحقاً فور استلامه، التزاماً بأخلاقيات العمل الصحفي.

وتصنّف السيارات الأوروبية المستعملة التي تُصدر إلى سوريا ضمن ما يُعرف عالمياً بـ”النفايات الميكانيكية المقنّعة”
فهي خارجة من الخدمة، أو مطرودة من الأسواق الأوروبية بسبب الانبعاثات العالية، لكنها تدخل إلى سوريا بلا أي فحص، فقط بمستندات جمركية بحسب التجار الذين قابلناهم.

من منظور أشمل للصورة البيئية في سوريا، تتحدث المهندسة الاستشارية روزا جهماني، المتخصصة في السياسات المناخية وإدارة المخاطر، عن واقع مركّب يتجاوز مشكلة السيارات المستعملة إلى غياب منظومة بيئية كاملة. تقول روزا إنها خلال زيارتها الأخيرة ضمن عمل منظمة Grains Green رصدت مبادرات محلية صادقة يقودها شباب وجمعيات، لكنها مبادرات “تعمل وحدها”، دون مظلة حكومية أو دعم مؤسسي.

وترى جهماني أن الوعي البيئي يعتمد على ثلاث ركائز: معرفة المشكلة، والإحساس بالخطر، وتوافر البديل. وفي سوريا، تصطدم هذه الركائز بثلاثة عوائق رئيسية؛ وهي الوضع الاقتصادي الضاغط الذي يجعل البيئة “ترفاً مؤجلاً” أمام لقمة العيش. بالإضافة لنقص المعرفة العلمية وغياب أدوات القياس والرقابة؛ فلا محطات لرصد جودة الهواء، ولا مختبرات بيئية، ولا أجهزة لقياس جزئيات الهواء PM2.5، فيما تعتمد المنصات الدولية على نماذج تقديرية لا تعكس الواقع بدقة.

وتضيف أن مصادر التلوث موزعة على كامل الجغرافيا السورية، وتتمثل في سيارات ديزل قديمة، ومولدات، وحرق نفايات عشوائي، وأفران ومصانع بلا فلاتر، ومصافي بدائية في الشرق. 

ورغم ذلك، ترى روزا بوادر إيجابية حقيقية تتمثل في مبادرات شبابية، واهتمام متزايد بالصحة، وحركة مجتمعية بدأت تربط بين نوعية الهواء وارتفاع الأمراض التنفسية، لكنها تؤكد أن أي تغيير يتطلب بدائل عملية،؛مثل تحسين الوقود، وتنظيم المولدات، والحد من الحرق العشوائي، ودعم صيانة السيارات القديمة. هذه الخطوات قد تُحدث فرقاً ملحوظاً حتى قبل وضع استراتيجية وطنية طويلة المدى

يكشف هذا التحقيق ما تتجنّب الأرقام قوله: أنّ البيئة ليست ترفاً في بلدٍ يعاني، بل شرطاً أساسياً للحياة، والطريق نحو هواءٍ أنظف في سوريا لا يبدأ بالحظر فقط، بل بالاعتراف بأن الحق في بيئة سليمة هو حق إنساني أساسي.
فما لم يتحول هذا الوعي إلى سياسة وطنية واضحة تضع البيئة فوق الحسابات المؤقتة ستظل البلاد تشتري سيارات بثمنٍ زهيد، وتدفع مقابلها أنفاساً غالية لا تُعوّض.

هذا التحقيق أعدّته الصحفيتين ضمن مشروع ينفذه المركز السوري للإعلام وحرية التعبير، بدعم من منظمة NED، وهو يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته فقط.

تنويه:
نُشر هذا التحقيق بإذن من الصحفيتين حنين السيد وجهان حاج بكري، وهو عمل صحفي مستقل من إعدادهما. يهدف نشره إلى إتاحة المحتوى للجمهور في إطار الاهتمام بالقضايا البيئية والمناخية، دون أن يعني ذلك تبني البرنامج السوري للتغير المناخي لما ورد فيه من آراء أو استنتاجات. حقوق النشر محفوظة للكاتبتين.

تعقيب رسمي بعد النشر

بعد أيام من نشر هذا التحقيق، تلقّى فريق العمل رداً مكتوباً من وزارة النقل السورية، أكدت فيه أن ملف النقل المستدام يُعد من أولوياتها، وأن العمل جارٍ على استحداث مجلس أعلى ومركز وطني للنقل المستدام، إضافة إلى اعتماد فحوصات لانبعاثات العوادم ضمن الإمكانات المتاحة.
وأشارت الوزارة إلى وجود تحديات تعيق فعالية الضبط البيئي، من بينها نوعية الوقود، وقدم أسطول المركبات

وانتشار ممارسات تعطيل أنظمة التحكم بالانبعاثات. في المقابل، لم يتضمّن الرد أي بيانات رقمية حول أعداد السيارات المستعملة الداخلة إلى البلاد، ولا مؤشرات صحية موثقة حول أثر الانبعاثات على السكان، وأحال هذه الملفات إلى جهات أخرى مختصة.
ويؤكد فريق التحقيق استمراره في متابعة أي توضيحات أو بيانات رسمية إضافية ترد لاحقاً، التزاماً بحق الرد وأخلاقيات العمل الصحفي.

22.01,2026

شارك