دور النساء في حماية البيئة ومواجهة التغير المناخي في سوريا

لم تعد حماية البيئة قضية نظرية تُناقش في المؤتمرات فقط، بل تحوّلت إلى واحدة من أعقد التحديات التي تمسّ تفاصيل الحياة اليومية في القرن الحادي والعشرين، ليس فقط بسبب ارتفاع درجات الحرارة أو تراجع التنوع البيولوجي، بل لأن آثارها تتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية كالماء الذي يصل أو لا يصل، الغذاء الذي يتقلص، الصحة التي تتأثر، والعمل الذي يزداد هشاشة، وفي سوريا تحديداً، تتشابك أزمة التغير المناخي مع سنوات طويلة من النزاع، وتدهور البنية التحتية، والضغط الاقتصادي، فتتحول ندرة المياه والجفاف وتقلب المواسم إلى عوامل تضاعف الهشاشة، وتعيد رسم علاقة الناس بالأرض والموارد.

في قلب هذا المشهد، تقف النساء ليس بوصفهن فئة متأثرة فحسب، بل بوصفهن الأكثر تماساً مع إدارة الموارد على مستوى الأسرة والمجتمع، والأقدر على تحويل الخبرة اليومية إلى حلول عملية، حيث تؤكد التقارير الدولية أن النساء غالباً ما يتحملن مسؤوليات أكبر في تأمين الماء والغذاء والوقود، وأن شح الموارد الناتج عن التغير المناخي يضاعف الأعباء عليهن، ويؤثر مباشرة على فرص التعليم والعمل والرفاه، وفي الوقت نفسه، تشدد هيئة الأمم المتحدة للمرأة، على أن النساء لسن “ضحايا للمناخ” فقط، بل فاعلات ويحملن على أكتافهن مهمة التكيّف، خطوة بخطوة، متى توافرت لهن المعرفة والتمويل والتمثيل.

وتشير تقارير دولية إلى أن سوريا تشهد أسوأ موجة جفاف منذ عقود، إذ أدى الجفاف الأشد خلال نحو 36 عاماً إلى تراجع إنتاج القمح بحوالي 40 في المئة، الأمر الذي يرفع مخاطر حدوث أزمة غذائية محتملة ويزيد الضغط على الأمن الغذائي في البلاد، لكن المناخ في سوريا لا يُقاس بالأرقام وحدها، بل يتخذ بعداً إنسانياً يمسّ تفاصيل الحياة اليومية، ففي كل مرة يَرِد فيها خبر عن “الجفاف”، يبرز السؤال عمّا تعنيه هذه الكلمة داخل بيت يعتمد على بئر شحيح، أو في أسرة باتت تنظّم يومها على ساعة وصول المياه، أو في بلد اعتاد أن يقيس استقراره برغيف الخبز فيما تتقلّص مواسم القمح عاماً بعد عام.

لماذا يكتسب دور النساء أهمية مضاعفة؟

تقول الأخصائية البيئية “بيان دياب” “إن النساء يقفن اليوم في قلب المواجهة مع تغيّر المناخ في سوريا لأن حياتهن اليومية تضعهن في تماس مباشر مع ندرة الموارد وتقلّبها، ففي البيوت والحقول تتحمّل النساء مسؤوليات أساسية تتعلق بتأمين المياه والغذاء والطاقة، إلى جانب دورهن المحوري في العمل الزراعي خاصة في الأرياف، ما يجعل آثار الجفاف وتدهور التربة وانخفاض الإنتاج الغذائي واقعاً معيشياً لا أرقاماً مجردة”.

وتضيف “في بلد يعاني أصلاً من إجهاد مائي متفاقم وتقلّبات مناخية حادة، تتضاعف هذه الأعباء لتتحول إلى اختبار يومي لقدرة الأسر على الصمود”.

من هنا، لا يقتصر تمكين النساء على تخفيف الضغوط الملقاة على عاتقهن، بل يفتح المجال أمام حلول أكثر استدامة، تنطلق من تغيير أنماط الاستهلاك والسلوك اليومي، وتمتد إلى المبادرات المجتمعية والمشاركة في صياغة السياسات البيئية، بما يعزز قدرة المجتمع بأكمله على مواجهة التحولات المناخية المتسارعة كما تتحدث الأخصائية.

ومن هنا يصبح الحديث عن دور النساء في حماية البيئة ومواجهة التغير المناخي في سوريا ليس ترفاً فكرياً، بل مدخلاً أساسياً لفهم كيف يمكن للمجتمع أن يصمد في وجه التغيرات المناخية.

النساء والزراعة المستدامة في سوريا

تُعد الزراعة المدخل الأوضح لفهم آثار التغير المناخي في سوريا، فهي القطاع الأكثر تأثراً بتقلّب الهطولات المطرية وارتفاع درجات الحرارة وتدهور التربة، كما أنها مصدر الدخل والمعيشة لملايين السوريين، ولا سيما في المناطق الريفية. وفي هذا القطاع الحساس، تلعب النساء أدواراً مباشرة وأساسية، سواء في العمل الزراعي نفسه، أو في الإنتاج الغذائي المنزلي، أو في عمليات الحصاد والتجهيز والتخزين، وصولاً إلى اتخاذ قرارات يومية تتعلق بما يُزرع، وكيف يُدار الماء، وما يمكن الحفاظ عليه في مواسم شحيحة.

وتشير “هبة إبراهيم” مهندسة زراعية وتعمل ضمن البرنامج السوري للتغير المناخي إلى أن “النساء في الريف السوري لسن مجرد عاملات في الزراعة، بل شريكات فعليات في إدارة الموارد الطبيعية، ويمتلكن معرفة تراكمية تجعل إشراكهن في الزراعة المستدامة شرطاً أساسياً لأي استجابة جادة للتغير المناخي”. وتوضح أن البرامج التي تركز على نقل المعرفة العملية إلى النساء تسهم في تحويل الخبرة التقليدية إلى تكيّف منظّم وأكثر فاعلية مع الظروف المناخية المتغيرة.

ولا تكمن أهمية هذه النماذج في التدريب بحد ذاته، بل في منطقها القائم على تمكين النساء بوصفهن “عاملات تغيير” داخل الأسرة والمجتمع، فعندما تتعلم المرأة تقنيات ترشيد الري، أو تحسين إدارة التربة، أو اعتماد ممارسات زراعية تقلل الاعتماد على المدخلات المكلفة، فإن أثر ذلك يتجاوز الحقل ليطال الاستقرار المعيشي والبيئي معاً من وجهة نظر “الإبراهيم”، وينعكس هذا التمكين في تقليل استنزاف المياه في الحيازات الصغيرة، ورفع قدرة الأسر على الصمود أمام تقلبات المواسم، ودعم الأمن الغذائي عبر استقرار الإنتاج وتقليل الخسائر، فضلاً عن تخفيف الضغط على البيئة من خلال ممارسات أقل ضرراً بالتربة والتنوع الحيوي.

بهذا المعنى، لا تمثل الزراعة المستدامة مجالاً تقنياً فحسب، بل مساحة أساسية لدور النساء في مواجهة التغير المناخي في سوريا، حيث يتقاطع العمل الزراعي مع إدارة الموارد، ومع القدرة على التكيّف اليومي في ظل بيئة تزداد قسوة عاماً بعد عام.

البيئة تُدار من المطابخ والحقول

إذا كانت الزراعة تمثل عنوان التكيّف الأكبر مع التغير المناخي في سوريا، فإن الماء يبقى “تفصيل الحياة” الأكثرحساسية، وحجر الأساس في حماية الموارد الطبيعية والتنوع البيولوجي. فالنساء، بحكم أدوارهن المنزلية والاجتماعية، يتحملن في الغالب مسؤولية تأمين المياه واستخدامها بكفاءة، سواء للاستهلاك المنزلي أو للزراعة المنزلية أو للمشاريع الصغيرة، ومع تصاعد شح الموارد، يتحول هذا الدور إلى عبء يومي إضافي، لكنه في الوقت ذاته يفتح مساحة حقيقية للتأثير البيئي، من خلال ترشيد الاستهلاك، وتحسين طرق التخزين، وإعادة الاستخدام الآمن حيثما أمكن، ونقل سلوكيات أكثر كفاءة داخل الأسرة.

ولا يتوقف هذا الدور عند إدارة المياه، بل يمتد ليشمل حماية الموارد الطبيعية، ففي كثير من البيوت، تتولى النساء العناية بالحدائق المنزلية وأشجار الفاكهة والنباتات، وحفظ البذور والمعارف المرتبطة بالمواسم والمحاصيل، إلى جانب توجيه أنماط الاستهلاك الغذائي وتقليل الهدر، ونقل ثقافة الحفاظ على الموارد إلى الأطفال والشباب، وهي أدوار قد تبدو “منزلية” في ظاهرها، لكنها عملياً تشكل خط دفاع بيئي أول، لا سيما في أوقات تدهور الأسواق وارتفاع الأسعار وتراجع قدرة الأسر على الوصول إلى غذاء متنوع.

تقول أم محمد، وهي سيدة من عفرين بريف حلب الشمالي، “إن إدارة الماء والحديقة المنزلية باتتا جزءاً من معركة البقاء اليومية”، موضحة: “صرنا نخطط لكل شيء حسب كمية الماء المتوفرة، ونزرع فقط ما نعرف أننا نستطيع الحفاظ عليه حتى البذور صرنا نخزنها، لأننا لا نضمن توفرها كل موسم”. وتضيف أن النساء في الحي يتبادلن الخبرات حول تقليل الهدر واستغلال الموارد المتاحة، في محاولة جماعية للتكيف مع واقع مناخي واقتصادي يزداد قسوة.

وهنا لا يمكن النظر إلى دور النساء بوصفه دوراً تقليدياً أو هامشياً، بل باعتباره جزءاً أساسياً من منظومة الحماية البيئية اليومية، تلك التي تبدأ من البيت وتمتد إلى المجتمع، وتشكل ركيزة صامتة لصمود الأسر والحفاظ على ما تبقى من الموارد الطبيعية، فأزمة المناخ في سوريا لا تُختَزل في منحنيات علمية أو بيانات رسمية، بل تُعاش كل يوم بوصفها اختباراً للاستقرار داخل البيوت والحقول، فالماء هنا ليس مورداً فحسب، بل سلطة يومية تُعيد تشكيل العلاقات ومسارات الحياة، وحين يشحّ، يصبح من يدير استخدامه هو من يدير القدرة على الصمود.

ومن هذه الزاوية، يبرز سؤال السياسات بوصفه الحلقة الأضعف: من يضع الخطط؟ ومن يحدد أولويات توزيع الموارد؟ فمواجهة التغير المناخي في سوريا لا تبدأ من قاعات المؤتمرات، بل من بيتٍ يحسب قطرات الماء، ومن حقلٍ يتعلم كيف ينجو في موسمٍ قاسٍ، وفي تلك المسافة الدقيقة بين البيت والحقل، تتحرك النساء بخبرة عملية ومرونة اجتماعية كخط الدفاع الأول عن الماء والأرض والغذاء، ويبقى السؤال الحاسم الذي لا يمكن تأجيله: هل ستستمر السياسات في التعامل مع النساء بوصفهن متلقيات للمساعدة، أم ستعترف بهن أخيراً بوصفهن شريكات أساسيات في حماية ما تبقى من الموارد، وصناعة مستقبل أكثر قدرة على الصمود؟

شارك