حين لا تتزامن دورة الحشرة مع دورة الثمرة، يخسر المزارع محصوله قبل أن يبدأ موسم القطاف
في بساتين التين المنتشرة على سفوح ووديان ريف إدلب، لا يبدو المشهد هذا العام كالمواسم المعتادة. ثمارٌ صغيرة تتساقط قبل اكتمال نضجها، وأشجارٌ تبدو عاجزةً عن الاحتفاظ بمحصولها، ومزارعون يراقبون خسائرهم تتسع مع مرور أيام الموسم.
لكن ما يحدث في هذه البساتين لا يمكن اختزاله في مشكلة زراعية عابرة أو نقصٍ في التلقيح فقط. فالموسم الحالي يكشف عن علاقة أكثر تعقيداً بين التغيرات المناخية ودورة حياة الأشجار والحشرات الملقحة، وعن مدى حساسية النظم الزراعية المحلية أمام ارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط الأمطار وموجات الجفاف والحرارة المتطرفة.
وبحسب تقديرات أولية من المزارعين والعاملين في القطاع الزراعي، وصلت نسبة تساقط الثمار في بعض مناطق ريف إدلب إلى ما بين 70 و90 بالمئة من المحصول، في خسارة تهدد واحداً من المحاصيل التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة مصدراً مهماً لدخل آلاف الأسر.
حشرة صغيرة تتحكم بمصير موسم كامل
تتميز أصناف التين التي تُزرع في المنطقة، بارتباطها بدورة تلقيح شديدة الخصوصية. فإنتاج الثمار في هذه الأصناف لا يعتمد على الري والتسميد وصحة الشجرة فقط، بل يحتاج إلى توافق دقيق بين الثمار الذكرية والأنثوية وحشرة متخصصة تُعرف باسم برغش التين، أو دبور التين الملقح.
تعيش الحشرة جزءاً أساسياً من دورة حياتها داخل الثمار الذكرية المعروفة محلياً باسم «التوب». وعندما تخرج الإناث البالغة، تكون محمَّلة بحبوب اللقاح، ثم تبحث عن الثمار الأنثوية المناسبة للدخول إليها ونقل حبوب اللقاح، وبذلك تبدأ عملية الإخصاب التي تسمح للثمار بالاستمرار في النمو.
وتصف منظمة الأغذية والزراعة ومنظومة الدستور الغذائي هذه العملية، المعروفة باسم التكبير أو التعليق، باعتبارها عملية أساسية لبعض أصناف التين التي تحتاج إلى التلقيح بواسطة برغش التين، مع ضرورة تزامن نضج الأزهار الذكرية وحبوب اللقاح مع المرحلة التي تكون فيها الأزهار الأنثوية مستعدة للتلقيح.
وهنا تكمن حساسية الموسم الحالي: المشكلة ليست بالضرورة في غياب الحشرة وحده، وإنما في احتمال حدوث اختلال زمني بين دورة الحشرة ونضج حبوب اللقاح واستعداد الثمار الأنثوية لاستقبالها.
عندما يختل التوقيت… يفشل التلقيح
يقول أحد المزارعين إن ثمار «التوب» الذكرية كانت في هذا الموسم فارغة، ولم يلاحظ وجود الحشرة فيها بالكمية المعتادة، وهو ما انعكس، بحسب ملاحظته، على تساقط الثمار الأنثوية قبل وصولها إلى مرحلة النضج.
أما المهندس الزراعي نواف الطويل، رئيس شعبة الزراعة في أحسم، في تصريح له لمنصة الجمهورية نت الإعلامية، فيقدم تفسيراً أكثر ارتباطاً بدورة النبات والحشرة. فالحشرة، بحسب ما يوضحه، كانت موجودة في المنطقة، لكن المآبر الحاملة لحبوب اللقاح في الثمار الذكرية لم تكن قد وصلت إلى مرحلة النضج المناسبة عند خروج الحشرة، إلى جانب وجود اختلاف في توقيت نضج الثمار الذكرية والأنثوية.
وهذا التفصيل مهم بيئياً؛ لأن العلاقة بين شجرة التين وحشرة التلقيح ليست علاقة عابرة، بل هي من أكثر علاقات التلقيح تخصصاً في الطبيعة. وتوضح الدراسات العلمية أن دورة حياة برغش التين قصيرة جداً، وأن نجاح التكاثر يعتمد على وصول الحشرة إلى الثمرة المناسبة في الوقت المناسب. كما أن نشاط الحشرة وانتشارها يرتبطان بدرجة الحرارة وبالتغيرات الموسمية.
وبالتالي، فإن تغيّر توقيت إحدى حلقات هذه الدورة يمكن أن يؤدي إلى تأثير متسلسل يبدأ بالحشرة وينتهي بالمحصول.
المناخ يدخل إلى البستان من بوابة التلقيح
خلال السنوات الأخيرة، أصبحت مناطق واسعة من سوريا تواجه ظروفاً مناخية أكثر قسوة، تتمثل في ارتفاع درجات الحرارة، وطول فترات الجفاف، وتراجع انتظام الهطولات، وازدياد موجات الحرارة الشديدة.
وفي موسم التين الحالي، يقول مزارعون إن الأشجار تعرضت لموجات حر ورياح حارة وفترات جفاف، فيما تعرضت بعض الثمار الصغيرة لأضرار مباشرة نتيجة الإجهاد الحراري.
ولا يقتصر أثر هذه الظروف على جفاف التربة أو تضرر الثمار؛ إذ يمكن للحرارة واضطراب الأمطار أن يغيرا مواعيد نمو الشجرة وخروج الحشرة ونضج حبوب اللقاح. وبما أن كل مرحلة تستجيب للظروف البيئية بوتيرة مختلفة، قد تبقى الحشرة موجودة والشجرة حية، لكن يفشل التلقيح لأن الطرفين لا يلتقيان في المرحلة المناسبة.
وتشير أبحاث متخصصة في بيولوجيا التين إلى أن إنتاج الثمار ودورة برغش التين يرتبطان بالتغيرات الموسمية ودرجات الحرارة، وأن الدبابير الملقحة قد تكون أكثر حساسية لبعض الظروف المناخية من الأشجار المضيفة نفسها. كما يمكن لانخفاض الحرارة والرطوبة أن يؤثر في كفاءة هذه الحشرات، ما يضغط على العلاقة التكافلية بين التين والملقِّح.
مناخ أكثر تطرفاً يعني هامش خطأ أقل
يقول مختصون في الزراعة إن ما يظهر اليوم في بساتين التين قد يتكرر في محاصيل أخرى بشمال غرب سوريا مع استمرار اضطراب الأنماط المناخية.
فالزراعة التقليدية تعتمد على استقرار نسبي في مواعيد الفصول، لكن موجة حر في مرحلة حساسة، أو تعاقب حر وبرد بصورة مفاجئة، قد يربك المواعيد التي اعتاد المزارعون الاعتماد عليها. لذلك لا يكمن الخطر في ارتفاع متوسط الحرارة وحده، بل في تزايد الظواهر المتطرفة وتوقيتها.
وبالنسبة للتين، يضيق هامش الخطأ أكثر بسبب اعتماد المحصول على دورة متخصصة بين الشجرة والحشرة.
الإجهاد المائي يضاعف المشكلة
إلى جانب اضطراب التوقيت، يمثل نقص المياه ضغطاً مباشراً على الأشجار. فالجفاف الطويل يضعف قدرتها على مواصلة نمو الثمار، ولا سيما حين يتزامن مع الرياح الجافة والحرارة المرتفعة.
وتوصي الممارسات الزراعية الدولية بإدارة الري خلال فترات الحرارة أو نقص الأمطار لتقليل الإجهاد المائي، مع مراعاة نوعية المياه وطريقة استخدامها.
لكن التحدي في ريف إدلب لا يتعلق بتوفير المياه فقط، بل بكلفتها وقدرة المزارعين على الوصول إليها، في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع القدرة الاقتصادية للأسر الزراعية. وهكذا يضغط تغير المناخ على المزارع عبر تراجع الإنتاج وارتفاع كلفة الحفاظ عليه.
«التتويب»… حل تقليدي أمام تحديات جديدة
يُعد «التتويب» من أهم الأساليب التقليدية المستخدمة لضمان تلقيح بعض أصناف التين. ويقوم المزارعون بوضع ثمار ذكرية «توب» تحتوي على حشرة التلقيح وحبوب اللقاح وتعليقها على الأشجار الأنثوية في توقيت محدد.
لكن نجاح العملية يتطلب ثماراً ذكرية سليمة، وحشرة حاضرة، وحبوب لقاح ناضجة، وثمراً أنثوياً جاهزاً للاستقبال. فإذا خرجت الحشرة قبل اكتمال نضج اللقاح أو قبل جاهزية الثمار الأنثوية، فقدت الطريقة جزءاً كبيراً من فعاليتها.
وتشير الإرشادات الزراعية إلى أهمية استخدام ثمار ذكرية صحية تحتوي على حبوب لقاح حية برغش التين، مع ضمان تزامن إطلاق اللقاح مع جاهزية الأزهار الأنثوية.
المشكلة إذن ليست في الطريقة نفسها، بل في تغير الظروف التي كانت تجعل توقيتها ناجحاً.
الحاجة إلى مراقبة مناخية وزراعية جديدة
من وجهة نظر بيئية، يحتاج قطاع التين في ريف إدلب إلى الانتقال تدريجياً من الزراعة القائمة على الخبرة المتوارثة وحدها إلى إدارة أكثر اعتماداً على البيانات.
ويمكن أن تبدأ هذه العملية بإنشاء سجلات محلية لمواعيد:
- ظهور الثمار الذكرية.
- خروج حشرة برغش التين.
- اكتمال نضج حبوب اللقاح.
- جاهزية الثمار الأنثوية.
- درجات الحرارة اليومية.
- موجات الحر.
- معدلات الهطول.
- فترات الجفاف.
- نسبة العقد وتساقط الثمار.
تساعد هذه البيانات على تحديد ما إذا كان الخلل مرتبطاً بتغير توقيت دورة الحشرة، أو بالإجهاد الحراري والمائي، أو بتداخل هذه العوامل. كما يمكن تطوير نظام إنذار محلي يعتمد على محطات طقس صغيرة وأجهزة قياس رطوبة التربة، لمساعدة المزارعين في توقيت الري والتلقيح.
الحفاظ على التوب يعني الحفاظ على جزء من النظام البيئي
من الإجراءات التي يمكن أن تقلل المخاطر الحفاظ على الأشجار الذكرية ومصادر «التوب»، وعدم التعامل معها باعتبارها أشجاراً غير منتجة. فهي تؤمّن الموطن الذي تحتاج إليه حشرة التلقيح، وتوفر حبوب اللقاح للمحصول الأنثوي.
كما ينبغي جمع الثمار الذكرية ونقلها واستخدامها بطريقة صحية، لأن الإرشادات الزراعية تحذر من ارتباط الثمار غير السليمة ببعض الفطريات والأمراض، وتوصي باستخدام ثمار صحية وإزالة التالفة من البساتين.
التين في مواجهة المناخ المتغير
يقول المزارعون إنهم لم يعتادوا رؤية هذا المستوى من التساقط في مواسم سابقة، فيما يلاحظ آخرون تغيراً في مواعيد النضج.
ففي منطقة ريف ادلب الجنوبي، على سبيل المثال، لا يزال جزء من المحصول في مرحلة ما قبل النضج، في الوقت الذي كان فيه الموسم خلال الفترة نفسها من العام الماضي قد اقترب أكثر من القطاف.
وقد تبدو هذه الملاحظات بسيطة، لكنها تصبح ذات قيمة عندما تُجمع بانتظام وتُقارن ببيانات الطقس على مدى سنوات. فما يراه المزارع على الأشجار قد يعكس تغيرات أوسع في الحرارة والرطوبة والهطول وتوقيت الفصول.
موسم التين رسالة مبكرة
ما يحدث في بساتين التين في ريف إدلب هذا العام ليس حادثة زراعية منفصلة، بل يكشف هشاشة العلاقة بين النبات والحشرة والمناخ والمزارع.
وإذا كانت ظاهرة اختلال التلقيح مرتبطة بتغير توقيت مراحل النمو، فإن تكرارها قد يهدد استدامة زراعة التين، خصوصاً مع استمرار موجات الحرارة والجفاف وعدم انتظام الأمطار.
لذلك، فإن حماية التين لا تعني إنقاذ محصول واحد، وإنما حماية منظومة زراعية وبيئية متكاملة. ويحتاج المزارعون إلى دعم تقني لمراقبة دورة التلقيح، والحفاظ على مصادر «التوب»، وتطوير أساليب التعليق، وتحسين إدارة المياه، واعتماد ممارسات أكثر قدرة على التكيف.
وعلى مستوى أوسع، تؤكد الظاهرة حاجة شمال غرب سوريا إلى برامج رصد مناخي وزراعي طويلة الأمد تربط بين بيانات الطقس ودورات المحاصيل والآفات والملقحات.
فالتغير المناخي لا يصل دائماً في صورة كارثة واضحة؛ أحياناً يظهر في ثمرة تسقط قبل موعدها، أو حشرة تخرج قبل نضج اللقاح، أو موسم يتأخر أسابيع عن المعتاد.
وفي بساتين التين في ريف إدلب، قد تكون هذه الثمار المتساقطة إشارة إلى أن المناخ يتغير، وأن الزراعة مطالبة بالتغير معه قبل أن تصبح الخسائر المتكررة واقعاً دائماً.
خسائر متراكمة سبقت أزمة المناخ
ولا تأتي خسائر موسم التين الحالي في منطقة جبل الزاوية وريف إدلب بمعزل عن خسائر زراعية وبيئية متراكمة تعرضت لها المنطقة خلال سنوات الحرب. فقد خسر المزارعون، وفق بيانات نشرتها مديرية زراعة ادلب، أكثر من 300 ألف شجرة تين خلال السنوات الخمس الماضية، بعد أن أقدمت قوات نظام الأسد على قطع مساحات واسعة من الأشجار خلال سيطرتها على أجزاء من المنطقة عام 2019.
ولم يكن قطع الأشجار خسارةً مباشرة في عدد الأشجار المثمرة فحسب، بل أدى إلى تراجع مساحة الغطاء النباتي وتضرر منظومة زراعية كانت تشكل مصدر دخل رئيسياً للأسر المحلية، إضافة إلى فقدان أشجار معمرة كانت تؤدي وظائف بيئية تتجاوز إنتاج الثمار.
ويعني ذلك أن المزارعين يدخلون الموسم الحالي وهم يواجهون خسائر متراكمة: أشجارٌ اقتُلعت خلال سنوات الحرب، ومحاصيل تتراجع بسبب اضطراب التلقيح، وضغوط متزايدة مرتبطة بالحرارة والجفاف وشح المياه. ومع تراجع عدد الأشجار المنتجة، تصبح قدرة المنطقة على تعويض خسائر موسم واحد أكثر صعوبة، كما يصبح أي اضطراب مناخي أكثر تأثيراً في الأسر التي تعتمد على ما تبقى من البساتين.
ومن منظور بيئي، فإن استعادة هذه الأشجار لا ينبغي أن تُعامل باعتبارها مسألة اقتصادية فقط، بل باعتبارها جزءاً من استعادة النظام البيئي الزراعي. فإعادة زراعة الأشجار المثمرة والحفاظ على الأصناف المحلية، إلى جانب حماية الأشجار الذكرية ومصادر التلقيح، يمكن أن تسهم في إعادة بناء منظومة زراعية أكثر قدرة على الصمود أمام الجفاف والحرارة والتغيرات المناخية المتسارعة.
